محمود محمود الغراب
124
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
واللحم المدقق ، ما تسري برؤيته الحياة في الأشباح ، وتنعم بمشاهدته لطائف الأرواح ، ناهيك من طعام صدر عن سر الحرفين ، ونزل من كرسي القدمين ، فلما تملأنا من الطعام ، وحمدنا اللّه على ما منحنا من سوابغ الإنعام ، أظهر الخليفة عزة نفسه ، وقوة بأسه ، وبيده قضيب من الذكر اليماني ، رقيق الأشفار ، ماضي الغرار ، فقلت حذار من أسد العرين حذار ، وبين يديه جماعة الأنجاد الأجواد ، قد امتطوا متون الصافنات الجياد ، عليهم الدروع المحكمة السرد ، وبأيديهم رماح الخطيّ وقواضب الهند ، وهم عازمون على إيقاع البلايا والمحن ، وإظهار الحروب والفتن ، وإهلاك الأعداء من النحل والملل ، والفتك فيهم بحد القواضب والأسل ، وقد ظهر سلطان الغضب المقلق ، وارتفع لنار الحمية اللهب المحرق ، وبان الطريقان ، وامتاز الفريقان ، وكل فريق يذب عن نفسه ، ويحمي ذمار سننه ، فقلت : يا سوء المكر الذي يحيق بعالم الخفض ، ويا بؤسا لأهل الأرض ؛ وقام وزير الخليفة خطيبا في ذلك الملأ الأعلى عن إذن الخليفة المولى ، وبيده عصا من الحديد ، يلحق بها القريب والبعيد ، متوجا بعمامة حمراء ، مرتديا برداء أحمر ، عليه فظاظة نكير ومنكر ، فعندما أراد الشروع في خطبته العمياء ، والتحريض على إمضاء فتنته الداهية الدهياء ، أقام المؤذن صلاة العشاء ، فبادرت إلى الصف الأول خلف الإمام ، فبينما أنا أحضر نية الإحرام ، إذ سنح بخاطري رسول الإلهام ، بأبيات سمائية ، في أسرار صلاة عشائية ، وهي هذه الأبيات : دعاني للمسامرة المنادي * مع المحبوب حين أتى العشاء فأسبغت الوضوء وجئت قصدا * إليه ولم ينهنهني « 1 » اللقاء فكبرنا نشير بأن أتينا * فما رفع الحجاب ولا اللواء فأثنينا بحمديه جميعا * فشال الستر وارتفع الغطاء وقال أصبت خيرا يا سميري * وصح لك السنا ثم السناء تسامرني بلفظك من بعيد * وللمعنى على القرب استواء فلا شرق ولا غرب لذاتي * وليس لها الأمام ولا الوراء وليس لها الأسافل والأعالي * وليس لها الكفاح ولا الإزاء
--> ( 1 ) نهنهه عن الشيء : كفه وزجره فكفّ .